السكينة وحاجة العباد إليها

السكينة وحاجة العباد إليها

السكينة وحاجة العباد إليها


انتشار القلق والخوف والتوتر في عصرنا


إنَّ الحزنَ والقلقَ، والخَوْفَ والْعَنَتَ، والتَّوَتُّرَ والأَرَقَ أَعْرَاضٌ وَأَسْقَامٌ أَصَابَتْ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ، وَهِيَ نَاقُوسُ خَطَرٍ، وَنَذِيرُ شُؤْمٍ وَضَرَرٍ؛ لأَنَّهَا تَفُتُّ الْقَلْبَ، وَتُورِثُ الْوَهَنَ وتُقْعُدُ عَن الْعَمَلِ، وَتَدُلُّ عَلَى خَرْقٍ جَسِيمٍ وَفُرْجَةٍ شَاسِعَةٍ في عَلاقَةِ الْعَبْدِ بِرَبِّهِ -سُبْحَانَهُ-.

وَمَعَ هَذِهِ الأَسْقَام المُضْنِيَةِ والْعَوَارِضِ المُؤْذِيَةِ، تَظْهَرُ حَاجَةَ الْعبْدِ لِرَبِّهِ؛ لِيَفِيضَ عَلَيْهِ بِطُمَأْنِينَةٍ وَسَكِينَةٍ تُعِيدُ لِلْقَلْبِ الْهُدُوءَ بَعْدَ اضْطِرَابٍ، وَتُعِيدُ لِلنَّفْسِ السُّكُون بَعْدَ هَلَعٍ وارْتِيَابٍ؛ ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾[الفتح: 4].


السكينة من جند الله يثبت بها عباده


السَّكِينَةُ جُنْدٌ مِنْ جُنُودِ اللهِ -عزَّ وجلَّ-، يُثَبِّتُ بِهَا أَنْبِيَائَهُ، وَيَنْصُرُ بِهَا أَوْلِيَائَهُ فَهَذَا رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- تَرَاهُ فِي أَشَدِّ المَوَاقِفِ، وَأَحْلَكِ الأَزَمَاتِ، مُطْمَئِنًا ثَابِتًا، عَلَيْهِ مِنَ اللهِ سَكِينَةٌ وَوَقَارٌ، يُصَوِّرُ الْقُرْآَنُ الْكَرِيمُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ -تَعَالَى-: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾[التوبة: 40].

وَقَد امْتَنَّ اللهُ -عزَّ وجلَّ- عَلَى المؤْمِنِينَ يَوْمَ حُنَيْن بَعْدَ أَنْ زَلَّتْ الأَقْدَامُ، واخْتَلَّتْ الصُّفُوفُ، وضَاقَتْ بِالرُّوحِ النُّفُوسُ، جَاءَ الثَّبَاتُ وَالطُّمَأْنِينَة، وَالْهُدُوءُ والسَّكِينَةُ مِنَ اللهِ -عزَّ وجلَّ- بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾[التوبة: 26]، فَهَدَأَتْ الْقُلُوبُ، وَرَسَخَتْ الأَقْدَامُ، وانْتَظَمَتْ الصُّفُوفُ، وَتَحَوَّلَ الفَرُّ إلى كَرٍّ، والْهَزِيمَةُ إِلَى نَصْرٍ.

والسَّكِينَةُ طُّمَأنِينةٌ وسُكُونٌ يَقْذِفُهُ اللهُ -عزَّ وجلَّ- في قَلْبِ الْعَبْدِ عِنْدَ اضْطِرَابِهِ وَخَوْفِهِ؛ فَلا يَنْزَعِجُ بَعْدَ ذَلِكَ لمَا يَرِدُ عَلَيْهِ، وَيُوجِبُ لَهُ زِيَادَة الإِيمَانِ وَقُوَّة الْيَقِين وَالثَّبَات، قَالَ الشيخُ عَبدُ الرَّحمنِ السَّعديّ- رَحِمَهُ اللهُ-: "السَّكينةُ مِنْ تَمَامِ نِعْمَةِ اللهِ على الْعَبْدِ فِي أَوْقَاتِ الشَّدَائِدِ والمَخَاوِفِ الَّتِي تَطِيشُ بِهَا الأَفْئِدَة، وأنَّهَا تَكُونُ عَلَى حَسَبِ مَعْرِفَةِ العَبدِ برَبِّهِ، وثِقَتِه بوَعْدِه الصَّادقِ، وبحَسَبِ إيمانِه وشجاعتِه"

والسَّكِينَةُ مِنْهَا مَا هُوَ هِبَةٌ رَبَّانِيَّةٌ، وَمِنْحَةٌ إِلَهِيَّةٌ، وَمِنْهَا مَا هُوَ مُكْتَسَبٌ، يَظْفَرُ بِها المَرْءُ بِالتُّؤَدَةِ وَالتَّأَنِّي، وَالصَّبْرِ وَالتَّرَوِّي، قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: "تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ، وَتَعَلَّمُوا لِلْعِلْمِ السَّكِينَةَ وَالْحِلْم"


المواطن التي تتأكد فيها السكينة


هُنَاكَ مَوَاطِنُ وَصُوَرُ يَتَأَكَّدُ فِيهَا التَّحَلِّي بِالسَّكِينَةِ في حَيَاةِ المسلمِ وَمِنْهَا:

أولًا: السَّكِينَةُ في المَشْيِ إلَى الصَّلاةِ، قَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-: "إِذَا أُقيمَت الصَّلاةُ فلا تَأْتُوهَا تَسْعَونَ، وأْتُوهَا تمشُونَ وَعَلَيْكُم السَّكينةُ"

ثانيًا: السَّكِينَةُ عِنْدَ الْقِيَامِ إلى الصَّلاةِ، قالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-: "لا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي وَعَلَيْكُم السَّكينةُ"

ثَالثًا: السَّكِينَةُ في الْحَجِّ، فَبَيْنَمَا النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- في يَوْمِ عَرَفَةَ سَمِعَ وَرَاءَهُ زَجْرًا شَدِيدًا وَضَرْبًا وَصَوْتًا للإبلِ؛ فأشارَ بسَوطِه إليهِمْ وقالَ: "أيُّها النَّاسُ، عليكم بالسَّكينةِ"

رَابعًا: السَّكينةُ في المشيِ بَينَ النَّاسِ، ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾[الفرقان: 63].

والنَّاسُ في حُصُولِ السَّكِينَةِ وَالتَّحَلِّي بِهَا عَلَى قِسْمَيْنِ:
قَوْمٌ مُطْمَئِنُّونَ بِمَا مَعَهُمْ مِنَ الدُّنْيَا مِنْ مَالٍ وَمَتَاعٍ وَسُلْطَانٍ، فَسَكَنُوا إِلَيْهَا، وَرَضُوا بِهَا، قَالَ -تَعَالَى-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾[يونس: 7 - 8]، فَهَؤُلاءِ وُكِلُوا إِلَى مَا رَكَنُوا إِلَيْهِ.

وَالْقِسْم الثَّانِي: قَوْمٌ امْتَلأَتْ قُلُوبَهُمْ حُبًّا للهِ -عزَّ وجلَّ-؛ فَغَمَرَهُم اللهُ بِالسَّكِينَةِ، فَهَؤُلاءِ تَجِدهُم مُطْمَئِنِّينَ إِذَا فَزِعَ النَّاسُ، صَابِرِينَ في الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ، لا يُزْعِجُهُم تَقَلُّبُ الأَحْوَال، ولا يَضُرُّهُم غَلاءُ الأَسْعَارِ، ولا يُخِيفُهُم قُرْبُ الآَجَالِ؛ ليقينهم بوعْدِ اللهِ -عزَّ وجلَّ- وَمَعِيَّتِهِ لأَوْلِيَائِهِ، فَهُم بِاللهِ مُطْمَئِنُّونَ، وَعَلَيْهِ مُتَوَكِّلُونَ، وَبِوَعْدِهِ مُؤْمِنُونَ، فَهَؤُلاءِ يَكُونُ جَزَاؤُهُم سَكِينَةً وَبَرْدًا يَقْذِفُهُ اللهُ في قُلُوبِهِم عِنْدَ الشَّدَائِدِ والابْتِلاءَاتِ.

أَعُوذُ باللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾[الفتح: 18].

تَشْتَدُّ حَاجَة الْعِبَاد إِلى السكينةَ حَالَ الْفِتَنِ والْبَلاءِ، وَمَتَى تَحَلَّى بِهَا المَرْءُ في هذهِ المَوَاطِنِ؛ اسْتَقَامَ طَبْعُهُ، وَهَدَأَتْ نَفْسُهُ، وَزَانَ عَقْلُهُ وَصَحَّ رَأْيُهُ، وَمِنْ ذَلِكَ مُصِيبَةُ المَوْتِ، وَلَنَا في نَبِيِّنَا -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- الْقُدْوَة الْحَسَنَة، لمَّا تُوُفِّي وَلَدُهُ إِبْرَاهِيم ضَمَّهُ إِلَيْهِ وَقَالَ: "تَدْمَعُ الْعَيْنُ، وَيَحْزَنُ الْقَلْبُ، وَلا نَقُولُ مَا يُسْخِطُ الرَّبَّ، وَلَوْلا أَنَّهُ وَعْدٌ صَادِقٌ، وَمَوْعُودٌ جَامِعٌ؛ وَأَنَّ الآَخِرَ مِنَّا يَتْبَعُ الأَوَّلَ، لَوَجِدْنَا عَلَيْكَ يَا إبراهيمُ وَجْدًا أشدَّ ما وجَدْنا، وإنَّا بِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ"


من مصادر السكينة وأسبابها


وَمِنْ أهمِّ مَصَادِرِ السَّكِينَةِ وأَسْبَابهَا:

الإقبالُ على كتابِ اللهِ -عزَّ وجلَّ-؛ فهوَ مَوْرِدٌ للسكينةِ لا يَنْضَبُ، ومَصْدَرٌ للطُّمَأْنِينَةِ لا ينقضي، ففي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حديثِ الْبَرَاءِ بن عازبٍ -رضيَ اللهُ عنهُ- أنَّهُ قالَ: "كانَ رَجُلٌ يَقْرَأُ سُورَةَ الكَهْفِ، وإلى جانِبِهِ حِصانٌ مَرْبُوطٌ بشَطَنَيْنِ، فَتَغَشَّتْهُ سَحابَةٌ، فَجَعَلَتْ تَدْنُو وتَدْنُو وجَعَلَ فَرَسُهُ يَنْفِرُ، فَلَمّا أصْبَحَ أتى النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- فَذَكَرَ ذلكَ له فقالَ: "تِلكَ السَّكِينَةُ تَنَزَّلَتْ بالقُرْآنِ"

ومِنْ أَسْبَابِ السَّكِينَةِ: صِدْقُ اللُّجُوءِ إلى اللهِ -عز َّوجلَّ-، وخَاصَّةً في الشَّدَائِدِ والمِحَنِ، فقَد كانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- يَدْعُو عِنْدَ الْكَرْبِ بِقَوْلِهِ: "لا إلهَ إلَّا اللهُ العظيمُ الحَليمُ، لا إلهَ إلَّا اللهُ رَبُّ السَّمَواتِ والأرضِ، ورَبُّ العرشِ العظيمِ"




المصدر:
عدد الزوار :
Loading...
شارك على مسنجر مكتبتي الاسلامية
Masba7a أضف إلى الشاشة الرئيسية