فضل الصيام

فضل الصيام

فضل الصيام


اعلم أن نفوس المؤمنين تشتاق إلى هذا رمضان ، ولكي يزداد الشوق والحنين فإليك بعض فضائل الصيام، فأنعم بالصوم من عبادة بها ترفع الدرجات، وتكفر الخطيئات، وتكسر وتحطم على صخوره الشهوات، وتزكو النفس وتنزجر عن خواطر المعاصي والمخالفات، وبه تقرع أبواب الجنان، وهو جنة للعبد يحول بينه وبين دخول النيران، فكم للصوم من فضائل وفضائل... وإليك طرفاً منها:

دخول الصائم الجنة من باب الريان

عن سهل بن سعد رضي الله عنها ،عن النبي ﷺ قال: « إن في الجنة باباً يقال له الريان يدخل منه الصائمون يوم القيامة لا يدخل منه أحد غيرهم، يقال: أين الصائمون؟ فيقومون لا يدخل منه أحد غيرهم، فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه أحد» . رواه البخاري ومسلم

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: من أنفق زوجين في سبيل الله نودي من أبواب الجنة:« يا عبد الله هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة . فقال أبو بكر رضي الله عنه: بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما على من دعي من تلك الأبواب من ضرورة، فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها؟ قال: نعم وأرجو أن تكون منهم ». متفق عليه أخرجه البخاري ومسلم

الصيام جنة أي: وقاية من النار والشهوات

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: كنا مع النبي ﷺ فقال: « من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء» . رواه البخاري ومسلم

وعن عثمان بن أبي العاص قال: قال رسول الله ﷺ: « جنة من عذاب الله وفي رواية الصوم جنة من النار كجنة أحدكم من القتال». أخرجه النسائي، وأحمد، وابن ماجه، وغيرهم، وصححه الألباني في "صحيح الجامع"

الصوم في سبيل الله يباعد العبد عن النار

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من عبد يصوم يوماً في سبيل الله تعالى إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفاً». رواه البخاري ومسلم

وقال المناوي في فيض القدير : "قوله: " سبعين خريفاً ": سنة، أي نَجَّاه وباعده منها مسافة تقطع في سبعين سنة، إذ كل ما مر خريف انقضت سنة، فهو من إطلاق اسم البعض على الكل"

وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : « من صام يوماً في سبيل الله تعالى جعل الله بينه وبين النار خندقاً كما بين السماء والأرض » . رواه الطبراني وإسناده حسن

الصيام لا مثل له وهو الطريق إلى الجنة

عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله مرني بعمل , قال: عليك بالصوم فإنه لا عدل له قلت: يا رسول الله ! مرني بعمل، قال: عليك بالصوم فإنه لا مثل له قلت: يا رسول الله ! مرني، بعمل قال: « عليك بالصوم فإنه لا مثل له. فكان أبو أمامة لا يرى في بيته الدخان نهاراً إلا إذا نزل بهم ضيف» . أخرجه النسائي، وابن خزيمة، والحاكم وصححه، وابن حبان، وصحح هذه الروايات كلها الشيخ الألباني في "صحيح الترغيب

وعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: أسندت النبي ﷺ إلى صدري، فقال: «من قال لا إله إلا الله ختم له بها دخل الجنة، ومن صام يوماً ابتغاء وجه الله ختم له به دخل الجنة، ومن تصدق بصدقة ابتغاء وجه الله ختم له بها دخل الجنة». أخرجه أحمد

قال المناوي في فيض القدير: "أي من ختم عمره بصيام يوم بأن مات وهو صائم أو بعد فطره من صومه دخل الجنة مع السابقين الأولين أو من غير سبق عذاب."

الصوم يشفع لصاحبه يوم القيامة

عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال:« الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب! منعته الطعام والشهوة فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفعني فيه. قال: فيُشفعّان». أخرجه أحمد وغيره

الصوم مضاف إلى الله إضافة تشريف وتعريف بقدره

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : قال الله عز وجل: «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به، الصيام جنة فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم، إني صائم، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، للصائم فرحتان يفرحهما، إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه». رواه االبخاري ومسلم

خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك
قال ابن حبان: "شعار المؤمنين في القيامة التحجيل بوضوئهم في الدنيا فرقاً بينهم وبين سائر الأمم، وشعارهم في القيامة بصومهم: طيب خلوفهم، أطيب من ريح المسك ليعرفوا بين ذلك الجمع بذلك العمل نسأل الله بركة هذا اليوم." انظر صحيح ابن حبان

وقال الحافظ ابن رجب: "خلوف فم الصائم: رائحة ما يتصاعد من الأبخرة لخلو المعدة من الطعام بالصيام، وهي رائحة مستكرهة في مشام الناس في الدنيا، لكنها طيبة عند الله حيث كانت ناشئة عن طاعته وابتغاء مرضاته."

وقال الحافظ في الفتح : ويؤخذ من قوله: "أطيب من ريح المسك" أن الخلوف أعظم من دم الشهيد؟ لأن دم الشهيد شبَّه ريحه بريح المسك، والخلوف وُصف بأنه أطيب، ولا يلزم من ذلك أن يكون الصوم أفضل من الشهادة لما لا يخفى، ولعل سبب ذلك النظر إلى أصل كل منهما، فإن أصل الخلوف طاهر، وأصل الدم بخلافه، فكان ما أصله طاهر أطيب ريحاً."

للصائم فرحتان

قال ابن رجب في "لطائف المعارف" : «أما فرحة الصائم عند فطره فإن النفوس مجبولة على الميل إلى ما يلائمها من مطعم ومشرب ومنكح، فإذا منعت من ذلك في وقت من الأوقات ثم أبيح لها في وقت آخر فرحت بإباحة ما منعت منه، خصوصا عند اشتداد الحاجة إليه، فإن النفوس تفرح بذلك طبعا، فإن كان ذلك محبوبا لله كان محبوبا شرعا، والصائم عند فطره كذلك، فكما أن الله تعالى حرَّم على الصائم في نهار الصيام تناول هذه الشهوات، فقد أذن له فيها في ليل الصيام، بل أحب منه المبادرة إلى تناولها في أول الليل وآخره ، فالصائم ترك شهواته لله بالنهار تقربا إليه وطاعة له، وبادر إليها في الليل تقربا إلى الله وطاعة له، فما تركها إلا بأمر ربه، ولا عاد إليها إلا بأمر ربه، فهو مطيع له في الحالين، وإن نوى بأكله وشربه تقوية بدنه على القيام والصيام كان مثابا على ذلك، كما أنه إذا نوى بنومه في الليل والنهار التقوِّي على العمل كان نومه عبادة، ومن فهم هذا الذي أشرنا إليه لم يتوقف في معنى فرح الصائم عند فطره، فإن فطره على الوجه المشار إليه من فضل الله ورحمته، فيدخل في قوله تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس :٥٨ ] ، ولكن شرط ذلك أن يكون فطره على حلال، فإن كان فطره على حرام كان ممن صام عما أحل الله، وأفطر على ما حرم الله، ولم يستجب له دعاء، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الذي يطيل السفر: « يمد يديه إلى السماء: يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذِي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك » . رواه مسلم من حديث أبي هريرة

وأما فرحه عند لقاء ربه فما يجده عند الله من ثواب الصيام مدخرا، فيجده أحوج ما كان إليه، كما قال الله تعالى: {وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً} [المزمل :٢٠]، وقال تعالى: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً} [ آل عمران :٣٠]

الصيام يرفع الدرجات

وهذا في قوله: "وأنا أجزي به". قال الحافظ في الفتح : "المراد بقوله: وأنا أجزي به، أني أنفرد بعلم مقدار ثوابه وتضعيف حسناته، وأما غيره من العبادات قد كشفت مقادير ثوابها للناس وأنها تضاعف من عشرة إلى سبعمائة إلى ما شاء الله، إلا الصيام فإن الله يثيب عليه بغير تقدير." ويشهد لهذا السياق رواية "الموطأ" وكذا رواية الأعمش عن أبي صالح حيث قال: "كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ما شاء الله، قال الله: "إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به." أي أجازي عليه جزاءً كثيرا من غير تعيين المقدار، وهذا لقوله تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: ١٠]

وقال الحافظ ابن رجب في "لطائف المعارف" : "على هذه الرواية يكون استثناء الصوم من الأعمال المضاعفة فتكون الأعمال كلها تضاعف بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلا الصيام فإنه لا ينحصر تضعيفه في هذا العدد، بل يضاعفه الله عز وجل أضعافا كثيرة بغير حصر عدد."

الصيام كفارة من الذنوب والمعاصي

عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «فتنة الرجل في أهله وماله وجاره تكفرها الصلاة والصيام والصدقة والأمر والنهي ». رواه البخاري ومسلم
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال ﷺ : «من صام رمضان إيمان واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه». متفق عليه.

وعنه أيضاً قال: قال رسول الله ﷺ : « الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر ». أخرجه مسلم

دعوة الصائم لا ترد

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : « ثلاث دعوات مستجابات: دعوة الصائم، ودعوة المظلوم، ودعوة المسافر». رواه البيهقي في الشعب وغيره، وصححه الألباني في "صحيح الجامع"

وعنه أيضاً قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حتى يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم» . أخرجه الترمذي

إن لله وملائكته يصلون على المتسحرين

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : « إن الله وملائكته يصلون على المتسحرين» . أخرجه ابن حبان وغيره

والسحور لا يكون إلا في الصيام، ولا يتسحر إلا من نوى الصيام وأراده، ومن هنا يتبين فضل الصيام في ذلك، لأنه كان سبباً في أن يصلي الله تبارك وتعالى وملائكته الكرام على المتسحرين.

الصوم في الصيف يورث السقيا يوم القيامة

عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله ﷺ بعث أبا موسى على سرية في البحر فبينما هم كذلك قد رفعوا الشراع في ليلة مظلمة إذ هاتف فوقهم يهتف: "يا أهل السفينة ! قفوا أخبركم بقضاء قضاه الله على نفسه، فقال أبو موسى: أخبرنا إن كنت مخبراً. قال: إن الله تبارك وتعالى قضى على نفسه أن من أعطش نفسه له في يوم صائف سقاه الله يوم العطش ». قال المنذري: رواه البزار بإسناد حسن إن شاء الله، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب "

كان من أسباب بكاء الصالحين عند موتهم ما يفوتهم من ظمأ الهواجر، قال معاذ بن جبل رضي الله عنه عند موته: «مرحباً بالموت زائر مغب، حبيب جاء على فاقة، اللهم كنت أخافك فأنا اليوم أرجوك، اللهم إنك تعلم أني لم أكن أحب الدنيا لطول البقاء فيها ولا لجري الأنهار ولا لغرس الأشجار، ولكن لظمأ الهواجر ومكابدة الساعات، ومزاحمة العلماء بالركب في حلق الذكر» . أنظر: "الزهد" للإمام أحمد (180)، و"حلية الأولياء" (1 / 239)، وغيرهما.

الله أكبر هكذا كان القوم، وتلك هي همتهم، وهذه كانت غايتهم من الدنيا فرضي الله عنهم وأرضاهم وجمعنا بهم في مستقر رحمته آمين.

الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة». أخرجه البيهقي في "الشعب" عن جابر، وعند أحمد، وأبي يعلى، والبيهقي في "الكبرى" عن عامر بن مسعود رضي الله عنه، وحسنه الألباني في "صحيح الجامع" وأشار إلى حسنه السيوطي.

وقال الحسن البصري: "نعم زمان المؤمن الشتاء، ليله طويل يقومه، ونهاره قصير يصومه".
وقال قتادة: "إن الملائكة تفرح بالشتاء للمؤمن، يقصر النهار فيصومه، ويطول الليل فيقومه."
وكان عبيد بن عمير الليثي إذا جاء الشتاء يقول: "يا أهل القرآن قد طال الليل لصلاتكم، وقصر النهار لصومكم."

شهر رمضان شهر الطاعات

شهر رمضان هو شهر القرآن والذكر والقيام والتراويح والتسابيح، والصدقة والبذل والعطاء، وحلق العلم، والاعتمار وغيرها من أبواب الخير والبر، فكن مع الذين يسارعون في الخيرات، ولا تكن مع الذين يبارزون بالمعاصي رب الأرض والسماوات.
قال الأوزاعي: "كان يحيى بن أبي كثير إذا حضر رمضان يدعو: اللهم سلمني لرمضان، وسلم لي رمضان، وتسلمه مني متقبلا." انتهى من "حلية الأولياء"

لا تنس ذكر الله
سبحان الله وبحمده
0 / 100

إقرأ المزيد :




عدد الزوار :
Loading...
شارك على مسنجر مكتبتي الاسلامية
Masba7a أضف إلى الشاشة الرئيسية