الظلم بين أفراد الأسرة الواحدة

الظلم بين أفراد الأسرة الواحدة

الظلم بين أفراد الأسرة الواحدة


أمر الله عز وجل بالعدل


أمر الله سبحانه بالعدل وأوجبه، ونهى عن الظلم وحرّمه، لم يختصّ به رجال الحكم والسياسة، فشَرْعُهُ أنّ العدل واجب على كلّ فئة وعلى كلّ دائرة من دوائر الحياة. شرعه على الأنظمة والمجتمعات، وعلى التجّمعات والأسر، وأوّل هذه الدوائر، عدل الإنسان مع نفسه فلا يظلم ذاته: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل: 118].

والدّائرة الثانية هي عدل الإنسان في أسرته، فقد أعطى الله القوامة للرجل على الأسرة، فهو رئيس العائلة، والرئاسة هذه مسؤولية للرجل تجمع إلى توفير مرافق الحياة من الغذاء والسكن والكساء، وتشمل التربية التي تكوّن الجيل الجديد، وتتحكّم بالتالي في مصير الأمّة، فهي إمّا أن تنشئ جيلاً مريضًا ضعيفًا منحرفًا، وإمّا أن تنشئ جيلاً قويًّا سليمًا مستقيمًا.

العدل من أهم عوامل التربية الناجحة


ومن أهمّ العوامل التي تساعد على التربية الناجحة العدل؛ فالأب مسؤول، وكذلك الأمّ مسؤولة عن العدل بين أطفالها، فلا يجوز لواحد أن يسير مع عواطفه في معاملة أبنائه فيكرّم أحدهم إكرامًا زائدًا، ويهين الآخر، يظهر هذا حتى في إيثار أحدهم بلباس أرفع وغذاء أجود، وعناية أكثر من إخوته وأخواته.

نتائج غياب العدل بين الأبناء


فما هي النتيجة؟! النتيجة أنّه يدبّ بين الإخوة داء الحسد والحقد والمعاداة، فيمزّق روابط العائلة، وتنصرف الجهود إلى التخريب، وتتحوّل العواطف النبيلة، إلى مكر وبغض وحسد وشماتة وما إلى ذلك.

أنواع الظلم في البيوت


لقد قصّ الله علينا في سورة يوسف -عليه السلام-، فأنبأنا أنّ كلّ ما لاقاه يوسف من عذاب ومعاناة وأتعاب كان نتيجة لما أظهره والده نحوه ونحو أخيه من عطف زائد ألهب قلوب إخوته حسدًا وكراهية له، قال -تبارك وتعالى-: ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ [يوسف: 8، 9].

فهؤلاء إخوة يوسف، وقد شاهدوا ميل أبيهم نحو أخيهم، وما كان يعقوب وهو يكرّم يوسف ويأنس له إلاّ لما تميّز به بين إخوته من ذكاء وفطنة وأدب جمّ وخلق رفيع، وجمالِ صورة ووسامة تأسر الناظر وتُدخل على النفس البهجة والانشراح، كيف لا ويوسف نبيٌّ من أنبياء الله، كاملٌ كمال الرسل المنتخبين من خلق الله؟! ومع هذا فقد حرم يوسف من والده كامل طفولته وشبابه، وبِيعَ في الأسواق، وحِيكت حوله المؤامرات، وأُدخل السجن، وذلك بسبب ما أظهره الوالد نحو ولده من عطفٍ زائدٍ وتكريمٍ أفضل، وإذا كان هذا من يعقوب -عليه السلام- وله ما يبرّره، لأنّ الفوارق بين يوسف وإخوته كانت كبيرة جدًّا؛ لأنّ ما أُوتيه يوسف لم يكن لأحدٍ أن يبلغه؛ إذ هو عِلْمُ الباري يصطفي، وحكمته البالغة تُربّي.

إذا كان هذا من يعقوب وهو يجد من قوّة تأثير يوسف ما يبرّره، فإنّ ما يجري في الأسر اليوم من فوضى في معاملة أولادهم لهو من الظلم الذي يسألون عنه، فبمجرّد ما تظهر بوادر النجابة على أحدهم يُسْرِعون إلى تكريمه وتبجيله، والأنكى من هذا هو ما يترسّب في نفوسنا من عادات جاهلية ما أنزل الله بها من سلطان، وهو تكريم الذكور على الإناث، وتمكينهم أكثر ممّا خولهم الله تعالى من حقوق.

إنّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد بارك الله في ذرّيته، وبارك في نسله، وإنّما انحدر نسله الشريف في ابنته فاطمة الزهراء -رضي الله عنها-، والغريب أنّك تجد الوالد يفخر بنسبه الشريف ويهتزّ فخرًا بأصله الماجد، ثم هو لا يكرّم ابنته إكرام ابنه، ويراها أحطّ منه مقامًا ومقدارًا.

واعلموا أنّ الله قال في مريم لمّا قالت أمّها: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾ [آل عمران: 36]. يعقّب على كلامها هذا بقوله -تبارك وتعالى-: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾، فليست البنت النسل الضعيف المهين، ولكن في هذه المولودة من الأسرار الإلهية ما تتميّز به على كثير من البنين، فكانت أمًّا لعيسى -عليه السلام-، وآية من آيات الله.

ونوع آخر من الظلم في البيوت، فكما يفضّل الأب الأولاد على البنات، فإنّ الأمّ تفضّل بناتها على أبنائها وتخصّهنّ بمزيد من العناية والاهتمام، ولا حقّ لا للأب ولا للأمّ أن يجورا في معاملة أولادهما، ويكونا بذلك سببًا في الفرقة وتفجّر العداء.

وممّا يظهر عدالة منهج الله ما أخرجه البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير قال: تصدّق عليّ أبي ببعض ماله، فقالت أمّي عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتّى تُشهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فانطلق أبي إلى النبي -صلى الله عليه وسلّم- ليُشهده على صَدَقَتي، فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "أفعلت هذا بولدك كلّهم؟!"، قال: لا. قال: "فاتّقوا الله واعدلوا في أولادكم". فرجع أبي فردّ تلك الصدقة.

فتفطّنوا وانتبهوا -رحمكم الله-؛ فقد سمّى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من يخصّص بعض ولده بعطاء، جورًا وظلمًا، ينال فاعله من التّبعات ما يناله الظلمة التّاركون منهج الله وأحكامه الرافضون لأدب الله وهدايته.

هذا هو أحد أنواع الظلم في الأسر، هو ظلم الأب والأمّ في معاملة الأولاد وعدم العدل بينهم، فإياكم والتمييز بين أولادكم، فإنّه ينشئ الولد معقّدًا، مريض الشخصية، منطويًا على الحقد والبغض والكراهية، والمكر والخديعة، وحبّ الخصام والجدل، أو تموت حساسيته فينقلب مطبوعًا على الذلّ، قابلاً لما يتبع النفس الذليلة من انحرافات ولا مبالاة.

العدل في معاملة الخدم


والباب الآخر في العدل في التركيب العائلي، هو علاقة الأسرة بمن يعينها على قضاء حوائجها، هو ما يعبّر عنه –بعمالة المنازل-، النساء والفتيات اللاتي يعملن داخل البيوت. الإسلام يبيح للإنسان أن يستأجر غيره ليعينه، وينتفع هذا بمجهود العامل، والآخر بما يأخذه من أجرٍ مقابل عمله، ولكن الإسلام لا يبيح بحال من الأحوال أن يمتهن المؤمن أخاه المؤمن باحتقار، فضلاً عن أن يملأ فمه بسبّه أو شتمه.

أخرج البخاري عن المعرور بن سويد قال: رأيت أبا ذرّ وعليه حلّة، وعلى غلامه مثلها، فسألته عن ذلك فذكر أنّه سابّ رجلاً على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فعيّره بأمّه، فأتى الرجل النبيّ -صلى الله عليه وسلم- فذكر ذلك له، فقال له النبيّ -صلى الله عليه وسلم-: "إنّك امرؤٌ فيك جاهلية". قلت: على ساعتي هذه من كبر السنّ؟! قال: "نعم، هم إخوانكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه ممّا يأكل و ليلبسه ممّا يلبس، ولا تكلّفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم عليه". وفي رواية: "من سبّ الرجل سبّوا أباه وأمّه".

وأخرج أبو داود وأحمد عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: جاء رجل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله: كم أعفو عن الخادم؟! فصمت عنه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم قال: يا رسول الله: كم أعفو عن الخادم؟! قال: "اعف عنه كلّ يوم سبعين مرّة".

فهذا هو الأدب في معاملة الخادم يكلّف من العمل ما لا يشقّ عليه، يأكل من نفس ما تأكل الأسرة لا فتات الموائد وفواضل الطّعام، ويلبس كما تلبس العائلة، ولا تتّبع عوراته وتقيّد زلاّته.

عدل الرجل في معاملة زوجته


إنّ من العدل الذي أكّده الحقّ -تبارك وتعالى- في كتابه، وعلى لسان رسوله، عدل الرجل في معاملة زوجته، فلا يظلمها، ولا يتسلّط عليها بقوّته الجسمية ضربًا وسبًّا، ولا بقوّته الأدبية فيتعسّف في المعاملة اليومية ويستولي على أموالها التي ورثتها أو تلك التي تتوفّر عليها قبل الزواج، قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: 228]، فهذه الدرجة هي رئاسة العائلة وقيادة أمر الأسرة، هي مسؤولية الحماية والصّيانة، وهذا التفضيل هو تفضيل تخصّص لا تفضيل منزلة أو رتبة، فالحقّ -تبارك وتعالى- لا يعطي للرجل درجة أفضل لأنّه يُنفق ويوفّر مرافق الحياة، فهل من المعقول أن يرفع الله الرجل درجة من أجل المال، لا أبدًا، لذلك قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13]، ولم يقل تعالى: أغناكم أو أكثركم مالاً وجاهًا وملكًا؛ لذلك يجب أن نفهم بأنّ الله فضّل المرأة وكرّمها بإعطاء القوامة للرجل، من ذلك أنّه أتاح لها فرصة البقاء في بيتها مُكرّمة مبجّلة، وأمر الرجل من خلال قوامته بتوفير كلّ ما تستحقّه العائلة.

واعلموا أنّ إنفاق الرجل على المرأة لا يدخل في باب المزيّة أو التكرّم عليها، بل هو واجب أمر به الله، ولكن في حدود ما تقدر عليه العائلة، والرجل هو الذي يضبط بقوامته كلّ ما ينفق على العائلة.

تكريم الإسلام للمرأة


قد سجّلت كتب السنّة أنّ من آخر ما أوصى به النبيّ -صلى الله عليه وسلم- في حياته، أنّه أوصى بالنساء خيرًا، فقد أخرج الإمام مسلم عن جابر -رضي الله عنه- في وصف حجّة الوداع، وخطبة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنّه قال: "اتّقوا الله في النساء؛ فإنّكم أخذتموهنّ بأمانة الله".

لقد أعطى سيّد الخلق بأمر من ربّه للمرأة قيمتها الحقّ ووضعها في الأسرة، وحرّم على الرجل أن يتسلّط عليها ظلمًا وقهرًا؛ قال سبحانه: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آَيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 231].

هذه الكرامة التي أكرم الإسلام بها المرأة، إكرامًا لم يقع تحت ضغط الطلبات المتكرّرة، والمظاهرات المهيجة، ولا مسوقة بأطماع التصويت في الانتخابات، ولكنّه العدل الإلهي في إعطاء كلّ ذي حقٍّ حقَّهُ، والوقوف عند حدوده رحمة للناس وتوجيهًا لهم إلى خير السبل والمناهج. ثم أقام حارسا على هذه الحقوق من باطن الإنسان من ضميره المؤمن المتعلّق بالله، مذكِّرًا جماعة الإيمان بما كان عليه وضعهم من ضعف ووهن وتمزّق وهوان، يوم كانوا يأخذون شرعهم عن تقليد، وتركيبهم الاجتماعي من القوّة المادية المتعسّفة في أحكامها؛ قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [البقرة: 231].

فليست المرأة متاعًا للرجل ولا سلعة بيده يمسكها متى يشاء ويدعها متى لعب به الهوى، وإنّما هي شطر المجتمع وتلد الشطر الآخر، ورئيسة البيت، وأمّ الأطفال، ومكوّنة الأجيال، ولكن المجتمع الإسلامي لم يَسِرْ طويلاً على هدي الله حتى رجع إلى جاهليته، ولم يمض في التركيب الاجتماعي على نورانية صراطه حتى رجع إلى ظلمه القاسي فصبّه على المرأة، ثم قامت الحركات المدّعية للإصلاح بردّ فعلٍ قويٍّ فسلّطت المرأة على الرجل، وافتكّت منه حقوقها أولاً، ثم زادت فاستولت على كثير من حقوقه الشرعية، وانطلقت في الحياة بدون حدود ولا قيود، فوضى ويا لها من فوضى.

وأوّل ما ظهرت آثار هذا الظلم من المرأة للرجل، أن انحلّت الأسر، وضعفت الوحدة التي كانت تربط بين أفراد العائلة، وظنّت المرأة نفسها أنّها ندٌّ للرجل في كلّ شيء، ونسيت الدرجة التي فضّل الله بها الرجال، فآل الأمر إلى جاهلية جديدة وخراب اجتماعي، وفقر عاطفي، وأنانية طاغية، ومادية خشنة ماكرة.

إنّ هذه الأمراض التي حدثت في المجتمعات الغربية، ومنها تسرّبت بالتقليد إلينا لتنذر بالويل للمجتمع الذي فقد هداية الله وطريق محمّد -صلى الله عليه وسلم-، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: 50].

المرجع :

لا تنس ذكر الله
سبحان الله
0 / 100

إقرأ المزيد :




عدد الزوار :
Loading...
شارك على مسنجر مكتبتي الاسلامية
Masba7a أضف إلى الشاشة الرئيسية